
إلى المسجد كان يفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حدث حادث، وفيه كان يجمع المسلمين، وفيه كان يبرم أمر الجماعة ومنه كان يخرج المجاهدون في وجههم للجهاد، وفيه كان يلقي الوفود، وفيه كان يعلم أصحابه، وفيه كان يجلس لحاجة المسلمين، وفيه كان يتم أمر الأمة الأعظم وهو المبايعة للإمام.
لـمّا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بَدْراً في مواجهة قريش ووقف جيش الإسلام أهمَّ وقفة وأبلغها أثرا في تاريخه، والنبي صلى الله عليه وسلم قائد، والخطر مُحْدقٌ، والتجربة جديدة، لم يكن الصحابة رضي الله عنهم كَمّاً صامتا وعَدداً حسابيا. إنما كانوا رجالا لهم رأيهم واجتهادهم وشخصيتهم، ولولا ذلك لما كانوا هم هم، ولما كانت بدر هي بدر. قام الحُبابُ بن المنذر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! أرأيْتَ هذا المنزلَ؟ أمنزلٌ أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه. أم هو الرأي والحرب والـمَكيدة؟
يُقدِّم الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى رؤيةً متكاملةً للصيام، استلهم رحمه الله تلك الرؤية من فقه مقاصد الصيام في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فهذا الشهر المبارك يعدّه محطةً سنويةً لإعادة بناء المؤمن تربويا وروحيا وسلوكيا من أجل أن يحمل ـ صحبة المؤمنين ـ همّ قضايا أمته الجريحة المبتلاة بكيد الكائدين وصلف المستكبرين. […]
رابع أركان الإسلام، والضابط المتمم لضوابط الشهادتين والصلاة والزكاة. فتوحيد الله عز وجل، والإقرار له بالعبودية، خروج عن سلطان الهوى المتأله، الصلاة تحقيق لهذه العبودية بالخضوع لكيفياتها وأوقاتها، والزكاة تحرر من غريزة التملك، والصيام امتلاك للشهوة. فمن كملت له السيطرة على نفسه بحبسها في إطار الإسلام، وصبرها على تكاليف الإيمان، فقد تأهل للجهاد. والحج خامس أركان الإسلام وهو أحد وجوه الجهاد.
قال مالك: «ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي ﷺ فيُنظَر إلى لونه كأنه نَزَفَ منه الدم، وقد جفَّ لسانه في فمه هيبة لرسول الله ﷺ. ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع. ولقد رأيت الزُّهري، وكان لَمِنْ أهْنَإ الناس وأقربِهم، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ فكأنه ما عرفَك ولا عرفته. ولقد كنت آتي صفوان بن سُلَيم، وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي ﷺ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه».
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».
الصدقة المأخذوة من أغنياء الأمة، المردودة على فقرائها، وسيلة لتزكية النفوس والأموال وتطهيرها وتطييبها. تزكية وتطييب وتطهير للنفس التي صدقت في فعلها حيث يقيها البذل في سبيل الله شحها. وتزكية وتطييب وتطهير للنفوس التي رد عليها نصيب من المال تسد به الحاجة فتختفي أسباب الحقد الطبقي. قال الله تعالى لعبده النبي وعباده ولاة الأمر من بعده: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (التوبة، 103). فكان صلى الله عليه وسلم يدعو بالنماء والزكاء والخير والبركة لمؤتي الزكاة فتزكو الأموال ويكثر الخير والبركة.
كان الإسراء رمزا إلى قصد بيوت الله للصلاة جماعة مع أهل الله. وكان المعراج إشارة إلى ما ينبغي أن تكون عليه حال المصلي من العروج الروحي، والحضور القلبي. وبقدر ما كان اللقاء بالحبيب مواساة وجبرا لقلب الرؤوف الرحيم، تكون الصلاة مفزعا لكل مكروب، وغوثا لكل محتاج وملهوف.
فإن ذهبت إلى ندي الناس، وسوق الناس، ومجمعات الأقوام أنادي بإسلام هو في قلبي خرق ومزق فمن يسمع مني. أنادي إلى الصلح مع الله وحبل إيماني خلق. أنادي إلى التوبة إليه وأنا سادر!
يا أهل السوق! هذه أمة مسلمة إسلامية طبقت «الحل الإسلامي» فتعالوا يا عطشى إلى الري، تعالوا إلى الامتلاء يا غرثى، تعالوا إلى الشبع يا جياع الروح ومفتوني الدنيا.
لا يضطرب عقل المحسن في فهم حكمة القضاء ومواقع القدر، ولا يفقدُ قلبه أمامها طمأنينَته، ولا حركتُه فاعليتَّها ونشاطها واتخاذها للأسباب، يتعبَّد بالمبادرة والعمل الصالح الدؤوب والأسباب تعبدا دون أن يحاول هتك سر القدر الذي استأثر الله عز وجل به وجعله بلاء ببالغ حكمته.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من الطائف وما لاقى من عنت وشدة على يد المشركين، ولا ولي إلا الله ولا ناصر بعد موت أبي طالب ووفاة أمنا خديجة رضي الله عنها، أحوج الناس إلى رحمة من الله تجدد اليقين وتثبت الأقدام وتدفع لجهاد مستأنف. فكانت المعجزة السماوية والرحلة الخارقة بلسم الرحمة وباعث اليقين.
امتاز الصحابة رضي الله عنهم بتعلقهم الشديد بشخص الرسول ﷺ. لم يكن عندهم ولا عند كل تقي أوّاهٍ من هذه الأمة مجرد مبلغ أدى رسالته ومضى، بل كان رسول الله. كان الشخص الذي اصطفاه الله. القرآن رسالته والبيان بيانه. تسمو بهم المحبة العميقة للشخص المكرم عند الله، ويسمو بهم القرآن، ويرفعهم البيان إلى ذُرى الإحسان. السلوك القلبي منجذب بمغناطيسية الروح الشريفة، والعقل يتغذى بالآيات البينات، والجوارح تنضبط بأوامر الشارع الحاضر بين ظهراني
ففي امتداد الدنيا إلى الآخرة تكتسب حياة المؤمن وأعماله معناها. مصيره بعد الموت يحدد له السلوك الذي ينبغي له في الدنيا: فإما كافر أو منافق لا يرجو الله ولا اليوم الآخر، فعندئذ يكون المعاش الرخي ويكون انتهاب الملذات وإرضاء الغرور الشخصي والظهور في المجتمع هي المطالب، وتكون الحرية في إحرازها هي الحرية.
شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كلَّه سرَّه وظاهره (…) وتعلق قلبك بقلبه الكريم، وروحانيتك بروحانيته، كما يُعَلِّق المريد روحانيته بروحانية شيخه».
لكن أنى لك بذلك التعلق بالقلب الأسمى والجناب الأحمى ونفسك في الحضيض، عديمُ الإرادة، ساقط الهمة! عليك بمحبة العوام واسأل ربك أن يقيض لك روحانية عارف تطير بك همتها بأجنحة المحبة إلى رحاب الوحي والنبوة.
إن تَوَلِّي رسول الله ﷺ، والصلاة عليه الدائمة، وحب آل البيت المطهرين، وتولي صحابته، لَمِمَّا يقرب المسافات للمريد الطالب. واختلف العلماء فيمن هم أهل بيته الذين جاءت في محبتهم وموالاتهم أحاديث صحيحة تذكرنا الله وتناشدنا الله فيهم وفي القرآن. فمن قائل إنهم الآل الذين تحرم عليهم الصدقة من بني هاشم. ومن قائل إنهم ذريته وأزواجه. ومن قائل إنهم أمته عامة. ومن قائل إنهم أتقياء أمته خاصة. وحديث الترمذي يخصص عليا وفاطمة والسبطين الكريمين الحسن والحسين.
فمتى سكتنا عن البلاغ الأخروي، وانشغلنا بمناوشة أعداء الدنيا عن الآخرة فقد انقطعنا وانجرَرنا مع تيار الدنيا وانسقنا مع منطقها. وعندئذ فلا قيمة لنا عند الناس لأننا لم نبلغهم رسالة الله العزيزة، ولا قيمة لنا عند الله لأننا خنا أمانة الله.