كيف نتعلم من سنة الله في التاريخ؟
التاريخ عندنا مستمر من بعثة نوح عليه السلام إلى آخر ما نشاهد من تقلبات بني آدم في الأرض. قانون إلهي واحد لا يتخلف: تطغى القرى الظالم أهلها، ويُعجب الناسَ تقلبُهم في البلاد، ويبتلَوْنَ بزينة عابرة ونجاح مؤقت. ثم يأتي أمر الله صيحة أو خسفة أو حاصبا أو طوفانا. معنا في هذا العصر آليات فكرية «سوسيو-سياسية»، وفلسفية، وجيو-استراتيجية، وتحليلية نقدية، وما إلى ذلك من الطرح الاقتصادي الثقافي العَالميِّ الآن وقد أصبحت الأرض رُقعة أرض في قرية. وأعتذر للغة العربية عن إقحامات راطنة بلغة هجينة.
ميراث رسول الله ﷺ في المسجد
إلى المسجد كان يفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حدث حادث، وفيه كان يجمع المسلمين، وفيه كان يبرم أمر الجماعة ومنه كان يخرج المجاهدون في وجههم للجهاد، وفيه كان يلقي الوفود، وفيه كان يعلم أصحابه، وفيه كان يجلس لحاجة المسلمين، وفيه كان يتم أمر الأمة الأعظم وهو المبايعة للإمام.
بين يدي النظام العالمي الجديد
كان المستضعفون، على عهد التقابل والتضاد بين الشيوعية والرأسمالية، يجدون مُتنفسا بين العملاقين. أمريكا كانت تدعم الطواغيت فتجد الشعوب المقهورة سلاحا ونصيرا استراتيجيا عند الدولة العظمى التقدمية السوفياتية. أما اليوم فالوِفاق بين شرق الجاهلية وغربها وحَّدَ السياسة بما لا يُبْقي متنفسا للمستضعفين.
المؤمنات واستكمال الإيمان
استكملت الإيمان من ذاقت طعم الإيمان يومَ أصبح الله ورسوله أحبّ إليها مما سواهما، ويوم أحبت المؤمنات لا تحبهن إلا لله، ويوم كرهت ماضيَ غفلتها أو تيهتها كما تكره أن تقذف في النار. قلبُها مُفْعم بالشكر لله الحنان المنان الذي أنقذها من خِضم الفتنة وأتاح لها سفينة النجاة.
لا يتساكَن الإيمان المكتمل، الإيمان الذي له طَعم وحلاوة ومذاق، في قلب المؤمن مع الحسابات الصغيرة والضغائن الحقيرة والإحساسات المريرة من حقد، وحسد، وأنانية، وحب رئاسة، وحرص على الدنيا وهوىً في متاعها الفاني كما يتمتع اللاهون العابثون بأعمارهم.
رياح التغيير في العالم
وإن استمرار المباني الغثائية في النفوس والعقول وطرائق التفكير والسلوك مُنحَدَر يجب أن نقِفَهُ. وإن بناء القوة الاقتحامية التي تقود الأمة في جهادها وتصعد من الوهْدة وتتوسط هذا العالَم الصاخب المضطرب ثابتةَ الخطى حتى تكون يوما ما طليعة الإنسانية ومحرر الإنسان وناشرَ العدل في ربوع الأرض، والشاهدَ على العالمين بالقسط، لا ينهض له من تحجُبه حقائق اليوم عما يسير به منطق التاريخ لغد. وسنة الله وراء ما يبصره الأنام.
يوم الأرض.. فلسطين
دام الوجود الصليبي في بلاد الإسلام ثلاثا وثمانين سنة بعد تحرير القدس سنة 1187 ميلادية. كانت حصيلة الحروب الصليبية الثمانية الفشل الكامل والارتداد، لكن غُصّة القدس كانت أمَرَّ ما تجرعه الصليبيون. لأن تحريرها من يد”الوثنيين” المسلمين كان الشعار الذي رفعوه منذ الانطلاقة الأولى في هذا القرن العشرين من تاريخ النصارى، في منتصف سنة 1948، أعلن اليهود دولتهم في فلسطين، واستولوا على ما كان فاتهم من أجزاء المدينة القدس سنة 1967.
حسنة الدنيا وحسنة الآخرة
شفعَ للعمل الخطإِ في الآخرة إخلاصُ العامل واجتهاده فأصاب هنالك أجرا واحدا، وفاته أجر الدنيا وحسنتُها كما فاته أجر الضِّعف في الآخرة لِما فرَّط ثم لم يبلغ الغاية المرجوة من فاعلية وإتقان وصيانة لحقوق العباد. لا يَتَهِمَنَّ أحد القَدَر بسوء نتائج أعماله هنا وهناك. وإن المسلمين الذين خانهم عملُهم، أو تكاسلوا وقعدوا عن جلائل الأعمال، اكتفاءً بفرائض العين من صلاة وصيام، لَمِنَ الصنف الخاسر في الدنيا إن كان الكفار خاسرين في الآخرة.
الرفق رسالتنا للعالم
الغرب يعتبر نفسَه الجوهرَ ونحنُ الفضولَ. وحياة الغربي الذي لا يرجو لقاء الله أعز ما عنده. فهو حريص على الحياة، أي حياة. وذلك من مواطن ضعفه. علَّمته فتنام بعد حروب التحرير الوطني أن المستضعفـين يقاتلون بشجاعة. تنشر التلفزيون صور الجرحى والموتى من الشعوب الملونَة ومن أطفال الحجارة فيعتاد الجمهور الغربيُّ. لكن يصيبه الهلَع لمشهد جثة رجل أبيض. فتقوم المظاهرات في نيويورك وواشنطون أنْ احبسُوا المجزرة.
النبوءة المتحققة ذاتيا
يتجلى الخلاف الثقافي والحضاري بين الإسلام والغرب في الاختلاف بين تاريخين، بين عقليتين، بين تصورين للإنسان والكون. لكن التهويل الإيديولوجي الخطير يصاحب الإثارة التي تتميز بها وسائل الإعلام الغربية الجشعة المأجورة، المتلهفة يوميا على الجديد الكفيل بتخفيف سأم جمهور أتخمه الهذر.
الدعم الأوربي والأمريكي لليهود
كانت أوربا في حاجة ماسة إلى حوض يستقبل ما فاض عنها من العنصر اليهودي، بالغ الذكاء، فائق النشاط، شديد المهارة في التجارة، العنصر المزعج الذي تنظم وألح على الدول/ الأمم الأوربية السالكة سبيل الديموقراطية أن تمنحه حقوقا وتملكه أرضا تطلع عليها الشمس. وما قضية دريفوس في فرنسا إلا مثال بين لظهور اليهود في الساحة واستغلال الإمكانيات التي استحدثها العصر لمكافحة الظلم والتأثير على الرأي العام بواسطة إعلام حر تسلل إليه المال اليهودي والنخبة المثقفة اليهودية.
الزكاة: الوجه العبادي والوظيفة العمرانية
الصدَقة المزكية المطهرة هي الزكاة بشـروطها الشرعية ونِصابها. من تزكَّى بها وبالصلاة وذكر الله طَهُرَ. ومن ادَّعى زكاةً وَتبجَّحَ بأنانية شحيحة فآية ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾2 ترده إلى مرتَع الدِّيَكَةِ المنتفشة. «الصدقة برهان» كما جاء في الحديث. وكل من ادعى خيرا من المتمولين مع شاهد شحه وغائب عطائه فإنما هو كذاب. وشرط الدخول في الأخوة الدينية والمواطنة الإيمانية هو: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾3.
صرخة القدس الشريف
يا صَرْخَةَ القُدْسِ الشَّرِيفِ تَرَدَّدَتْ…أَصْدَاؤُهَا فِي قَلْبِنَا المَحْرُوقِ
فتَمَزَّقَتْ أحْشَاؤُنَا ألَماً، لَنا…شُرْبُ الرَّدَى بصَبُوحِهِ وغَبُوقِ
وَتَأَوَّهَتْ أجْيَالُنا وتَحَزَّنَتْ…واسْتَرْجَعَتْ فِي صَوْتِهَا المَخْنُوقِ
وهناكَ في أعْتَابِ قَانُونِ العِدَا…جلسَتْ طَلائِعُنا لِبَلْعِ الرِّيقِ
كرامة المرأة العاملة
ومن حيث التفتنا إلى واقع المسلمين، خاصة في عصور الاستهلاكية المتباينةِ فيها المكاسبُ تباينا فاحشا المتفشي فيها الفقرُ والبطالة إلى جانب الترف والتبذير، نجد ما يُؤلِمُ القلب ويحزن النفس. الضرورة تدفع نساء المسلمين المستضعفين للكسب خارج البيت. ومُجاراة الأوضاع العالمية والموضات الجاهلية تدفع الأخريات لامتهان وظائف تستهلك المرأة في غير ما خلقت له. وتتفكك الأسرة، ويهيم مجتمع المسلمين في درب الانحلال الأسروي الذي بلغ مداه في المجتمعات الغربية المصنعة الصاخبة المنحلة.
رمضان بدرٍ كان عزَّ صحابـة
لُـذْنَا بجاهِ المرسَـل الـمحـبـوبِ…..شهـرُ الهـدايـة والـتـلاوة والـبـشائــِرْ
شهـرٌ به القرآن أُنْـزِلَ مُـشْـرِقـاً…..مِنْ نورِهِ اصطَبَحَتْ قلوبٌ والبصائـرْ
رمضانُ عاد وقدسنا في قبضة…..عصرتْ بقسوتِها الأسِيراتِ الحرائـرْ
رمضانُ بدْرٍ كان عزَّ صحابـة…..باعوا نـفـوسـاً للإلـه على المـخـاطِـرْ
رمضانُـنـا وشهـورُنا وزمانُـنـا…..زمـنُ الـمهـانـة والـمـذلَّـة والـخسائِـرْ
غزوة بدر
لـمّا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بَدْراً في مواجهة قريش ووقف جيش الإسلام أهمَّ وقفة وأبلغها أثرا في تاريخه، والنبي صلى الله عليه وسلم قائد، والخطر مُحْدقٌ، والتجربة جديدة، لم يكن الصحابة رضي الله عنهم كَمّاً صامتا وعَدداً حسابيا. إنما كانوا رجالا لهم رأيهم واجتهادهم وشخصيتهم، ولولا ذلك لما كانوا هم هم، ولما كانت بدر هي بدر. قام الحُبابُ بن المنذر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! أرأيْتَ هذا المنزلَ؟ أمنزلٌ أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه. أم هو الرأي والحرب والـمَكيدة؟
وما بعد الطوفان..
ليكن واضحا أننا لا نلتمس مهربا من ساحة المواجهة أو توازنا مقبولا من طرف القوى العالمية والمحلية المعادية للإسلام. كلا! ولسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا، المنـتظرةِ ساعتها ليجرفها الطوفان جزاءً بما كسبت أيدي الناس. يَندَكُّ ما كان يظنه الغافلون عن الله الجاهلون بسنـته في القرى الظالم أهلُها حصونا منيعة وقِلاعا حصينة، وتندثِر، وتغرَق. ولما بعد الطوفان، ولخواء ما بعد الطوفان، وخيبة ما بعد الطوفان نكتب.


















