
وإن استمرار المباني الغثائية في النفوس والعقول وطرائق التفكير والسلوك مُنحَدَر يجب أن نقِفَهُ. وإن بناء القوة الاقتحامية التي تقود الأمة في جهادها وتصعد من الوهْدة وتتوسط هذا العالَم الصاخب المضطرب ثابتةَ الخطى حتى تكون يوما ما طليعة الإنسانية ومحرر الإنسان وناشرَ العدل في ربوع الأرض، والشاهدَ على العالمين بالقسط، لا ينهض له من تحجُبه حقائق اليوم عما يسير به منطق التاريخ لغد. وسنة الله وراء ما يبصره الأنام.
دام الوجود الصليبي في بلاد الإسلام ثلاثا وثمانين سنة بعد تحرير القدس سنة 1187 ميلادية. كانت حصيلة الحروب الصليبية الثمانية الفشل الكامل والارتداد، لكن غُصّة القدس كانت أمَرَّ ما تجرعه الصليبيون. لأن تحريرها من يد”الوثنيين” المسلمين كان الشعار الذي رفعوه منذ الانطلاقة الأولى في هذا القرن العشرين من تاريخ النصارى، في منتصف سنة 1948، أعلن اليهود دولتهم في فلسطين، واستولوا على ما كان فاتهم من أجزاء المدينة القدس سنة 1967.
يتجلى الخلاف الثقافي والحضاري بين الإسلام والغرب في الاختلاف بين تاريخين، بين عقليتين، بين تصورين للإنسان والكون. لكن التهويل الإيديولوجي الخطير يصاحب الإثارة التي تتميز بها وسائل الإعلام الغربية الجشعة المأجورة، المتلهفة يوميا على الجديد الكفيل بتخفيف سأم جمهور أتخمه الهذر.
كانت أوربا في حاجة ماسة إلى حوض يستقبل ما فاض عنها من العنصر اليهودي، بالغ الذكاء، فائق النشاط، شديد المهارة في التجارة، العنصر المزعج الذي تنظم وألح على الدول/ الأمم الأوربية السالكة سبيل الديموقراطية أن تمنحه حقوقا وتملكه أرضا تطلع عليها الشمس. وما قضية دريفوس في فرنسا إلا مثال بين لظهور اليهود في الساحة واستغلال الإمكانيات التي استحدثها العصر لمكافحة الظلم والتأثير على الرأي العام بواسطة إعلام حر تسلل إليه المال اليهودي والنخبة المثقفة اليهودية.
ليكن واضحا أننا لا نلتمس مهربا من ساحة المواجهة أو توازنا مقبولا من طرف القوى العالمية والمحلية المعادية للإسلام. كلا! ولسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا، المنـتظرةِ ساعتها ليجرفها الطوفان جزاءً بما كسبت أيدي الناس. يَندَكُّ ما كان يظنه الغافلون عن الله الجاهلون بسنـته في القرى الظالم أهلُها حصونا منيعة وقِلاعا حصينة، وتندثِر، وتغرَق. ولما بعد الطوفان، ولخواء ما بعد الطوفان، وخيبة ما بعد الطوفان نكتب.
الحضارة الغربية اليوم تعرت نهائيا عن كل قيمة غير القيم المادية المنفعية المحسوبة عدا ونقدا أو استثمارا وانتظارا. المادية هي دين الديمقراطيات الغربية النصرانية اسما كما هي دين الاشتراكيات الشيوعية الملحدة مبدأ. دينها جميعا القوة العسكرية، والتوازن الاستراتيجي، والمصالح الاقتصادية، والتسابق إلى المراكز ذات الأهمية الجغرافية السياسية. وفي داخل تلك المجتمعات يتجه الإنسان إلى التمتع الدوابي، إلى الزنا واللواط اللذين أصبحا أمرا عاديا، بل نشاطا يحميه القانون، إلى الجريمة والمخدرات، إلى “الفن”، وكل ما تعطيه الكلمة من صور الهروب من الواقع، حتى إذا استنفد الإنسان كل ما جاءته به الحضارة المادية من أمن في المعاش ومن فرص اللذة، غدا ينتحر بجنون، ينتحر لينسى فراغه، لينسى هذا النعيم الدوابي الذي تضج منه الفطرة البشرية.
في هذه الفقرة نورد نصوصا تتضمن تصريحات منشورة (لا نثقل بذكر مراجعها) لزعماء الصهيونية ومفكريها صدرت بعد البروتوكولات بما لا يدع مجالا للتشكيك أن هنالك إرادة منسقة وجهودا متضافرة. وكفى من نتائج المخطط الجهنمي قيام دولة في فلسطين تتكفل أعظم دول العالم أمريكا بأمنها وغذائها وتسليحها وتدمج اقتصادها في اقتصادها. كفى نتيجة أن يكون الستة ملايين يهودي في أمريكا هم المسيطرين على أبناك نيويورك وشبكات الصحافة والتلفزة والإعلان في أرجاء البلاد.
يتطلعون إلى تكافل اجتماعي، إلى أخوة باذلة، حانية، محبة، تأسو الجراح وتُطلق السراح. شرع لنا القرآن الكريم هذا التكافل بقوله جل وعلا : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ سورة النساء، الآية 36.
هذا السبب هو جفاف القلوب من الرحمَةِ، وهي الرحِمُ الجامعة. نجد هذا السبب مطروحا واضحا إن قرأنا آيات الله عز وجل في القرآن وآياته في الكون وسنته في التاريخ قراءة ثُنائية قدَرية شرعيَّةً. القراءة التاريخية تشتغل بالنـزاعات في عالم الأسباب لا تتفتح عين قلبها لتُميّزَ مراتِب الـمُدْرَكَـات من آيات الله في الكون يقابِلُها ويكشف أسرارها آياتُه سبحـانه الشرعية الأمرية المنـزّلَة على رسله عليهم السلام. وإذاً فلا يكون القرآن دليلَ عمل لمن يقرأ هكذا.
مما فتحه العزيز العليم عليهم من فنون الابتلاء في هذا الطور التاريخي تسارُع الأحداثِ وجريانها بما لم يكن في حُسبان الحاسبين. فبعد نهاية القرن الرابع عشر الذي عرف الغزو الاستعماري، وعرف حربين كونيين، وعرف استقرار العالم على ازدواج المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وعرف بزوغ الصحوة الإسلامية، وعرف حركات التحرر الوطني، ها هو القرن الخامس عشـر يدُق طبولَ النصـر على رأس الرأسمالية المنتصرة في موكب أحداث تحمل بشائر تغيُّرٍ حثيث واسع هي في آخر المطاف بشائر النصر للإسلام. إن شاء الله العلي العظيم.
حب الشهادة في سبيل الله، وجعل الموت في سبيل الله أعز ما يطلب في ثقافتنا، في تعليمنا، في تربيتنا، في إعلامنا، في الهواء الذي نتنفسه، والغذاء الذي نطعمه، هو الروح الذي ينتظر أن يسري في الأمة لتنهض من كبوتها التاريخية، ولتستحق الحياة، ولتستعصي على الأعادي، ولتنتصر، ولتنال موعود الله بالخلافة في الأرض.
نحمل معنا، معشر الأمة، جرثومة الخضوع الخائف للسلطان ولو جار، لا ندري لِمَ صبر السلف الصالح على الجَوْر، ولِمَ استظهروا به وبشوكته المدافعة عن بيضة الإسلام ووحدته. ونتحمل بتقليد نظام الدولة الحديثة وِزراً جديداً هو وِزر مركزيتها وقانونيتها وأخطبوطيتها. عاملان، موروث ومحدث، كلاهما عدوٌّ للبر، قاتل للبر، قاطع لما أمر الله به أن يوصل من وشائج العدل والإحسان.
التاريخ عندنا مستمر من بعثة نوح عليه السلام إلى آخر ما نشاهد من تقلبات بني آدم في الأرض. قانون إلهي واحد لا يتخلف: تطغى القرى الظالم أهلها، ويُعجب الناسَ تقلبُهم في البلاد، ويبتلَوْنَ بزينة عابرة ونجاح مؤقت. ثم يأتي أمر الله صيحة أو خسفة أو حاصبا أو طوفانا. معنا في هذا العصر آليات فكرية «سوسيو-سياسية»، وفلسفية، وجيو-استراتيجية، وتحليلية نقدية، وما إلى ذلك من الطرح الاقتصادي الثقافي العَالميِّ الآن وقد أصبحت الأرض رُقعة أرض في قرية. وأعتذر للغة العربية عن إقحامات راطنة بلغة هجينة.
“وفي بعض كُتبهم أن هرون قال لله تعالى إذ أراد أن يسخـط على بني إسرائيل: يا رب لا تفعل، فلنا عليك ذِمام [أي جميل] وحق لأن أخي وأنا أقمنا لك مملكة عظيمة. قال أبو محمد: وهذه طامة أخرى! حاشا لهرون عليه السلام أن يقول هذا الجنون! أين هذا الهوس وهذه الرعونة من الحق النير إذ يقول تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
مصيري الأخويُّ أنا المؤمن المسلم، وأنا المؤمنة المسلمة، عَلِمْتُ وأيقنت أن صلاحَه لا ينفَكُّ عن صلاح مصير أمتي في الدنيا. إن فسدَت حالَة أمتي في الدنيا، وهانت، ووَهَنَتْ، وتمزَّقَتْ، وتظالمت، وحكمت بغير ما أنزل الله، فمِن تقصيري أنا، ومن مسؤوليتي أنا. وإن نهضْتُ لأجاهِد مع المجاهدين لبناء دولة القرآن فلِنَفْسِي بَغَيْتُ الخير. وإن بذلت مالي ونفسي وغايةَ جُهدي لتقْوَى أمتي، وتعِزَّ، وتظْهَرَ على الأمَم مبلغة رسالة الله إلى الإنسان، ففي حَبْلِ نفسي أفْتِلُ.
قضية المسلمين على المدى الطويل هي الوحدة والقوة وإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة كما كانت الخلافة الراشدة على أسس الشورى والعدل والإحسان. وعلى وقع خطوات التاريخ الذي يكوره مكور الليل على النهار ومكور النهار على الليل تتعرف إلينا سنة الله الرحيمة بنا من خلال الفجوات التي بين مصالح العملاقين، ومن خلال ضغوط المصالح والظروف السياسية لكل دولة وكل تحالف، ومن خلال الثقل المهول الذي تتحمله كل دول العالم، بل كل فرد فرد من بني الإنسان، أعني ثقل التهديد النووي لمصير الإنسانية. وتتعرف إلينا سنة الله الرحيم بنا آخر المطاف من خلال البلاء الواقع على المستضعفين في الأرض وعلى المسلمين خاصة من جراء المجاعات والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين. ويسمي لسان العصر هذا النقص “تخلفا”، لأن العصر ينظر بمنظار التحليل الغربي المادي الماهر في إدراك الأسباب وتسلسلها وقيامها وقعودها، الغافل عن مسبب الأسباب جلت عظمته.