
الحمدُ للهِ الذي تكرَّم على عباده بمواسم الخيراتِ تجديدا لإيمان المؤمنين والمؤمنات، وتذكيرا لهم بالعهد الذي بينه وبينهم إلى يوم الميقات، وحثهم على النهوض لطلب الزلفى عنده وأعلى الدرجات، فخصَّ الأوائل من ذي الحجَّةِ المعلومات بعظيم الأجر ووافر البركات، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على سيدنا محمد وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعه من الصالحين والصالحات.
نريد في هذه الورقة البحثية أن نحدد الرؤية الإسلامية للتربية الإيمانية المفضية إلى بناء الفرد، وإعادة صياغة شخصيته خاصة في المجتمع الإسلامي الواقع تحت نير الفتنة، ليكون المؤمن الشاهد بالقسط، المجاهد بالنفس والمال لإعلاء كلمة الله في الأرض. وهي التربية الإيمانية نفسها المفضية إلى بناء الكيان العضوي المتماسك والمؤهل لإنجاز مهمات التغيير الجوهري والتاريخي للأمة الإسلامية، طلبا لإقامة الدين، وسعيا إلى تحرير الإنسان من الاستلاب والقهر والتضليل والتبخيس.
فكل من يدعي حب الله تعالى ومتابعة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ونصرة أمتّه عليه الصلاة والسلام دون إعطاء براهين الصدق العمليَّة فهو كاذب، قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “لستَ هناك حتى يَنقلعَ من قلبك حبُّ ما سوى الله من دنيا مُؤثَرة وهوى مُتبع وأنانية طاغية! لستَ هناك حتى يرى اللهُ ورسولُه والمؤمنون عملَك عند الأمر والنهي”
جعل الله عز وجل بشِرْعته السمحة أسوارا بين الناس وبين العقوبة. سور وازع القرآن في قلب العبد، وسور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسور ستر المسلمين بعضهم بعضا، وسور دَرء الحدود بالشبُهات، وسور الشفاعة في الحدود قبل وصول الخبر للقاضي، وسور العفو، وسور ستر الإمام على الجناة، وسور وصية الله تعالى بأن لا يُسْـرَفَ في القتل. وفي الآخرة يناجي الحق سبحانه بعض عبيده بما جنوا ثم يسترها ويغفر. وهو الغفور الرحيم
من ثم فقد أولى الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله الأخلاق والآداب مكانة مهمة في مشروعه، بل جعلها روح المشروع وأساس بنائه وشرط صحته واستمراره، حيث عدّ الأخلاق والقيم شرطا لازما في طريق السالك إلى الله تعالى ووسيلته لبلوغ الكمال الإيماني، كما تجسّد ذلك في سيرته رحمه الله وفي توجيهاته ومكتوباته، فلا نجده رحمه الله في مجلس من مجالسه إلا حاثّا مذكّرا بهذه المعاني النفيسة.
للناس في أيامهم ولياليهم مناسباتٌ للفرح والاحتفال، والتخفيف من تعب الحياة وآلامها، ويعبرون على ذلك بما يناسب أعرافهم وثقافتهم، ومن المناسبات التي يفرح فيها أهل الإسلام ويحتفلون بها سنويا، مناسبة عيد الفطر، وهو أحد العيدين (بالإضافة إلى عيد الأضحى)، وقد احتفل المسلمون بأول عيد فطر في الإسلام في السنة الثانية للهجرة بعد صيام أول رمضان في تلك السنة.
من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهم أياما ومحطات إيمانية يتعرضون فيها لنفحاته، ويتقربون إليه فيها ويجددون العهد والنية والقصد إليه، ومن أهم هذه النفحات شهر رمضان الكريم، فرصة ربانية ومنحة مباركة، هو شهر البركات والخيرات والتوبة وتجديد الصلح مع الله تعالى. هو شهر تدريب بامتياز يتعلم فيه المؤمن والمؤمنة ضبط النفس وإلجام هواها، وهو فرصة لتطهير الروح فتسمو وتطلب المعالي.
هذه المدرسة الرمضانية تنبهنا إلى أن الصوم ليس مجرد ترك الطعام والشراب، ولكنه تهذيب للأخلاق. فتعلمنا بأن حفظ اللسان واجب فلا رفث ولا صخب ولا جدال في حالة الغضب. إنها مدرسة لتربية النفس على الصبر والحلم وضبط اللسان والإحسان الى الناس، بل إن الصوم مدرسة لبناء إنسان تقي نقي شاكر ذاكر، مدرسة لتزكية النفس.
الاعتكاف في رمضان سنةٌ نبوية ماضية إلى يوم القيامة، حيث يواصل المعتكِف عكوفه في المسجد أو في غيره من الأمكنة الطاهرة إذا تعذر، زمنا محددا، ويكون في الغالب عشرة أيام بلياليها. ويبقى الاعتكاف في المسجد أولى وأفضل لقدسية المكان ولإقامة الصلوات والجُمع فيه، خلال شهر رمضان أو في غيره من الشهور، غير أنه في رمضان أفضل لفضل الشهر الكريم، وخاصة العشر الأواخر منه، لخصوصيتها وفضلها، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف كما اعتكف أصحابه وأزواجه والتابعون
ما أشدَّ حاجة العبد المؤمن المخلص في مسيره إلى مولاه، إلى أن يختار الأزمنة الفاضلة ليخلو بنفسه، ويركن إلى زاوية الفكر والذكر يتأمل حاله، ونعمة الله عليه فيحمده ويشكره، في كنف أسرته وفي حضرة صحبة الصادقين الذاكرين المجاهدين في أوقاتٍ ومناسبات تُحيي فطرته وتُقوِّي صلته بمولاه. وإن مدار الأعمال على القلب، وأكثرُ ما يفسده تلك المشوشاتُ والشواغلُ التي تصرفه عن الإقبال على الله عز وجل من شهوات الطعام والشراب وفضول الكلام والنوم…
لعل المتمعن في معالم غزوة بدر الكبرى قد يقف على ملامِح الصُّحبة والجماعة فيها جملة وتفصيلا، على غرار كل محطات البعثة النبوية، غير أننا نلقي بالضوء فيما يلي على لازمة من لوازمها وهي النواظم الثلاث، وهي كما عرفها الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله “الحب في الله، والتناصح والتشاور في الله، والطاعة لله ولرسوله […]
من أجل استشراف مستقبل الخلافة على منهاج النبوة يتعين على أبناء الحركة الإسلامية ربط الماضي بالحاضر مع استنباط الدروس و العبر من كافة الأحداث التي شهدها التاريخ.
من الأحداث العظيمة التي شهدها تاريخ الإسلام و المسلمين غزوة بدر الكبرى التي وقعت في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة . و قد تناولت كتب السيرة هذه المواجهة العسكرية بالتفصيل نظرا لأهميتها في تحديد مسار المسلمين منذ ذلك الحين .
تعيش المجتمعات المعاصرة أزمة تواصل وعُزلة وجدانية متزايدة، بسبب النزعة الفردانية والتسارع الرقمي، ما جعل العلاقات الإنسانية تفقد دفئها ومضمونها التربوي. وإن الْمُتَتَبِّع لأحوال الناس وظروف عيشهم اليوم في خضَّم الحياة المادية الصعبة التي تموج بالتحديات مَوجًا، يُدرِك أن ضغوطات الحياة وتشعُّباتِها شغلت الناس، وألْهَتْهم عن تفقُّد أهلهم وقرابتهم، فضلًا عن أصدقائهم وجيرانهم ومعارفهم، فضعُفت أواصر القرابة وروابط الأُخُوَّة بينهم، وأصبحت الأنانية وحبُّ الذات بشعار: “نفسي نفسي”، سمة بارزة بينهم إلا من رحم الله.
ونظرا للشهرة التي حازها الكتاب وصاحبه، ونظرا لأهمية مضمونه ومنهجه في التزكية والنُّصح والتوجيه، أحببت أن أكتب مقالا مختصرا للتعريف به، وإن كان الـمُعرَّف لا يُعرَّف، ولكن من باب تجديد الصلة به وتجديد التعريف به لهذه الأجيال الجديدة التي قد تلهيها ضوضاء العالم عن قبول أضواء النصيحة الجيلانية وأنوارها.
من عظيم فضل الله عز وجل على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نوع لها الطاعات، وجعل في أيام دهرها نفحات ترجى في أزمنة مباركة، غنيمة ميسرة لمن حالفته عناية التوفيق. ومن هذه الأزمنة المباركة شهر شعبان. فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: “ذاكَ شهرٌ يغفَلُ النَّاسُ عنهُ بين رجبَ ورمضانَ وهُو شَهرٌ تُرفعُ فيهِ الأعمالُ إلى رَبِّ العالمين وَأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ”
في مثل هذه الليلة، 27 رجب ليلة الإسراء والمعراج، من عامين متتاليين كتب الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله مكتوبين: الأول مقدمة كتابه الإحسان عام 1414هـ (وكان التأليف قبل ذلك ببضع سنين) والثاني “رسالة تذكير” عام 1415 هـ، وفي كليهما يتوجه بالخطاب لأجيال العدل والإحسان ولعامة أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصتها.