

في كل عصور الإسلام وَفَى لله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ولم تنقطع سلسلة الإرشاد والتربية ومقاومة السلطان الجائر، وإن تعددت المدارس، واختلفت الأساليب. من الإمام الحسين إلى الإمام الخميني عرفت الشيعة أئمة وعلماء حافظوا على جذوة الإيمان ورفض الظلم حية في ضمير الأمة. ومن الحسن البصري إلى حسن البنا عرف أهل السنة مربين ومقاومين مجاهدين جددوا الإيمان وحاربوا الطغيان.

في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي أعجبتُ بشخصية دعوية فذة كان لها تأثير إيجابي على تلامذة أحد ثانويات مدن الشمال وخصوصا القسم الداخلي. عند تعرفي على هذا الشاب الخلوق عبَّر لي عن إعجابه بسيرة الإمام حسن البنا رحمه الله من خلال قراءته كتاب “تذكرة الدعوة و الداعية”. وكان هذا الشاب ذا ذكاء اجتماعي متميز بين أصدقائه، يقتدون به في عبادته وأخلاقه الحميدة واجتهاده في دراسته و يشاركونه أنشطته الدعوية المكثفة .

كان الأنصار رضي الله عنهم إذن على بيِّنَةٍ من واجبهم بمقتضى البيعة، وعلموا أنها عداوةُ العرب، وأنها الحرب، وأنه الموتُ. واختاروا عن رِضىً الطاعةَ لله ورسوله مهما كانت النتائج، والتزموا بالتحرك في المنشط والمكره، والتزموا بالنفقة في العسر واليسر، والتزموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي بالقيام في بلدهم بفرض التحول الجذري، وإقامة المجتمع الإسلامي على قواعدَ مُنافية للمألوف. والتزموا بالشجاعة في الله، شجاعة الكلمة، وشجاعة اقتحام صف العدو. والتزموا بحماية حامل الرسالة صلى الله عليه وسلم كما يحمون أنفسهم وأهليهم. وكانت وقْفَةُ أسعد رضي الله عنه تهدف على تركيز الفهم عند قومه لخطورة التزامهم، وكانت استجابتهم الثابتة تأكيدا لصدق غيرتهم التي دفعتهم، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان، لعرض أنفسهم على النبي الطوَّافِ في جبال مكة الطريد فيها.

ثم تتراصُّ الأعمال الأحب إلى الله في صرح السلوك الإحساني.
أولها الحب في الله والبغض في الله. «أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله». حديث نبوي رواه الإمام أحمد وحسنه السيوطي رحمهما الله. وهذه خصلة الصحبة والجماعة، جماعة الأشداء على الكفار الرحماء بينهم، أحبة الله الأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين.
علم الحق المنزلُ به الوحي للآخرة والدنيا، وعلوم كونية للدنيا والآخرة. هذه مستوحية والوحي جامع. نصيب العباد من الدنيا فرادى عملهم الصالح، ونصيبهم من الدنيا إلى الآخرة يضاعف ويعلو درجات إن اندرج العمل الصالح الفردي في جهاد جماعي. مجاهدة النفس في زاوية قَصِيَّة مستسلمة، هذا لا يطلب علوما كونية يتسلح بها المتبتل. يترك ذلك لمن يعوله ويكسوه، ويدافع عنه ويؤويه، فينال ثواب المجاهدين. والرجل المحوقل الصالح في نفسه معرض عن الدنيا مقبل على ربه من بُوَيْبٍ، بينما المجاهد الصالح المصلح يدخل من أبواب.