

لا سبيل إلى بناء القوة الاقتحامية المؤهلةِ لمناجزَةِ الجـاهلية، القادرةِ على مطاولتها وحصارها وخنقها وطردها، وفي قلوبنا مَثْوىً لأم الفتن. نهض الرجل الأشقر الأزرق الطويل القامة في ألمانيا الإمارات المآت، وتوحد الجِرْمانُ على ثقافة ولغة وجنس وقوم. فانظر ما أججوا من حروب، وما اقترفوا من جرائم ضد الإنسانية. النازية زهرة القومية ونموذجها المتطرف. المتطرفُ حقا! أليست الحمية، حميةَ الجاهلية، عنفاً كلُّها وجهلا كلُّها؟

ويمكن اعتبار كل مسلم ليس له نصيب من معاني الهجرة والنصرة أعرابيا بالمعنى القرآني. قال القاضي ابن العربي رحمه الله: «فمن دخل في الهجرة أو ترسَّم بالنصرة فقد كمُل له شرف الصحبة. ومن بقي على رسمه الأول بقيَ عليه اسمه الأول، وهم الأعراب.(…) إن كل مسلم كان عليه فرضا أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكونَ معه حتى تتضاعف النُّصرة، وتنفسح الدَّوْحَة، وتحتمي البيْضةَ.(…) وكان من سار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صار مؤَهَّلاً لحمل الشريعة وتبليغها، متشرفا بما تقلد من عُهْدَتها. وكان من بقي في موضعه خائبا من هذا الحظ، منحطا عن هذه المرتبة».

الهجرة عن عادات الجاهلية هي برهان الصدق وهي الحركة السلبية للإرادة التي تعدل عن الموقع العادي إلى الوضع الشرعي الإسلامي، وقد كانت الهجرة حادثة في عهد الرسول الكريم تاريخية من دار الكفر مكة إلى محضن الإيمان يثرب. طرح الرسول وصحبه أموالهم وأهلهم ورحلوا بإيمانهم. وتبقى الهجرة حركة إرادية دائمة في حياة المؤمن يطرح دائما عنه الرجس ويعدل إلى الحق.

فمتى سكتنا عن البلاغ الأخروي، وانشغلنا بمناوشة أعداء الدنيا عن الآخرة فقد انقطعنا وانجرَرنا مع تيار الدنيا وانسقنا مع منطقها. وعندئذ فلا قيمة لنا عند الناس لأننا لم نبلغهم رسالة الله العزيزة، ولا قيمة لنا عند الله لأننا خنا أمانة الله.
تضمن حرية التعبير الديمقراطية أن يعرف المواطنون ما يجري في البلد. وهذه مزية لا مِراء فيه، وحق من الحقوق التي انتزعتها الحرية من الاستعباد. في بلادنا يصبِّحك الإعلام الرسمي ويُمَسِّيك بأخبار برقيات الوَلاء للقائد الملهم، وبزيارة الرئيس الفلاني، والوفد الفلاني. ويعرض عليك الإنجازات الفخمة للدولة، الفخمة دائما، العظيمة زورا وبهتانا. ولا يعنيك، أنت الشعب القطيعَ، أن تعرف ما دار من حديث في الزيارات الرئاسية، ولا ما أبْرِم من معاهدات، ولا ما قررته الحكومة السامية من سياسات سرية. لا تعلم من ذلك شيئا حتى تستمع إلى محَطات الإعلام العالمي الحي، الكاشف للخبايَا، المحلِّل الـمُدَقِّقِ، يخبرك بأسرار بلدك، وبما دار من حديث، وما قيل، وما تقرر. لا شأن لك بما قيل وقُرّر. لا حق لك.