

فمتى سكتنا عن البلاغ الأخروي، وانشغلنا بمناوشة أعداء الدنيا عن الآخرة فقد انقطعنا وانجرَرنا مع تيار الدنيا وانسقنا مع منطقها. وعندئذ فلا قيمة لنا عند الناس لأننا لم نبلغهم رسالة الله العزيزة، ولا قيمة لنا عند الله لأننا خنا أمانة الله.

«الدعوة إلى الله بإذنه»: بالنسبة لرسل الله عليهم الصلاة والسلام هي بعثة ووحي. وبالنسبة للعلماء بالله جند الله هو الإلهام والتوفيق.
وقلما يتساءل الدعاة عن أسباب فشلهم خارجا عن دائرة الأسباب الحركية.
قلما ينظرون هل هم يرعون الله تعالى ليرعاهم، هل يطيعونه حق الطاعة ليوفقهم، هل طهروا قلوبهم وعقولهم بذكره والقيام على بابه بالدعاء والتضرع ليلهمهم؟
قولوا لي: أية تربية تلقيتم يا جند الله وأية عبودية حققتم لمولاكم، أقلْ لكم بلسان القرآن أي مصير هنا وهناك ينتظركم، وأية هداية.

إلى المسجد كان يفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حدث حادث، وفيه كان يجمع المسلمين، وفيه كان يبرم أمر الجماعة ومنه كان يخرج المجاهدون في وجههم للجهاد، وفيه كان يلقي الوفود، وفيه كان يعلم أصحابه، وفيه كان يجلس لحاجة المسلمين، وفيه كان يتم أمر الأمة الأعظم وهو المبايعة للإمام.

الثبات على إديولوجيةٍ عِناداً وادعاءً أنها حية لم تمت، والانتقال من إديولوجية ودّعها العقلاء إلى مثواها الأخير إلى إديولوجية منقذة، والتحول السريع من خطاب متشدد إلى خطاب متصالح، إنما هو تَجْوال في عالم الهياكل، والهيكلات، والتنظيم الحزبي، ومشاكل التنظيم، وصراعات المناصب والمصالح، وحواراتٍ حول الأولويات والإستراتيجيات، ونزاع الزعامات على القيادة.
تَأَلُّهٌ بالفعل أنْ يفرض الحاكم رأيَهُ مستنداً إلى قوة بطشه. تألُّهٌ شخصي مشخّص في حالة من ذكرنا. وتألُّهٌ كان وراثيا مؤسَّسياً عند ملوك أوربا المستندين إلى الكنيسة ما دامت قوية، الثائرين عليها إن ضعفت. تُعَمِّدهم الكنيسة ملوكا وأولياء عهد مخوّلين أن يحكموا الناس «بالحق الإلهي» (ثيوكراتي)، وكأنهم من طينة غير طينة الآدميين. وتحت سماء أخرى (في الصين واليابان مثلا) كان الملوك يقدَّسون لأنهم أبناء السماء. ولا تُسأل السماء وأبناؤها عما فعلوا بالأرض وأبنائها.