

كان الأنصار رضي الله عنهم إذن على بيِّنَةٍ من واجبهم بمقتضى البيعة، وعلموا أنها عداوةُ العرب، وأنها الحرب، وأنه الموتُ. واختاروا عن رِضىً الطاعةَ لله ورسوله مهما كانت النتائج، والتزموا بالتحرك في المنشط والمكره، والتزموا بالنفقة في العسر واليسر، والتزموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي بالقيام في بلدهم بفرض التحول الجذري، وإقامة المجتمع الإسلامي على قواعدَ مُنافية للمألوف. والتزموا بالشجاعة في الله، شجاعة الكلمة، وشجاعة اقتحام صف العدو. والتزموا بحماية حامل الرسالة صلى الله عليه وسلم كما يحمون أنفسهم وأهليهم. وكانت وقْفَةُ أسعد رضي الله عنه تهدف على تركيز الفهم عند قومه لخطورة التزامهم، وكانت استجابتهم الثابتة تأكيدا لصدق غيرتهم التي دفعتهم، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان، لعرض أنفسهم على النبي الطوَّافِ في جبال مكة الطريد فيها.

ثم تتراصُّ الأعمال الأحب إلى الله في صرح السلوك الإحساني.
أولها الحب في الله والبغض في الله. «أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله». حديث نبوي رواه الإمام أحمد وحسنه السيوطي رحمهما الله. وهذه خصلة الصحبة والجماعة، جماعة الأشداء على الكفار الرحماء بينهم، أحبة الله الأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين.

إلى المسجد كان يفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حدث حادث، وفيه كان يجمع المسلمين، وفيه كان يبرم أمر الجماعة ومنه كان يخرج المجاهدون في وجههم للجهاد، وفيه كان يلقي الوفود، وفيه كان يعلم أصحابه، وفيه كان يجلس لحاجة المسلمين، وفيه كان يتم أمر الأمة الأعظم وهو المبايعة للإمام.

شفعَ للعمل الخطإِ في الآخرة إخلاصُ العامل واجتهاده فأصاب هنالك أجرا واحدا، وفاته أجر الدنيا وحسنتُها كما فاته أجر الضِّعف في الآخرة لِما فرَّط ثم لم يبلغ الغاية المرجوة من فاعلية وإتقان وصيانة لحقوق العباد. لا يَتَهِمَنَّ أحد القَدَر بسوء نتائج أعماله هنا وهناك. وإن المسلمين الذين خانهم عملُهم، أو تكاسلوا وقعدوا عن جلائل الأعمال، اكتفاءً بفرائض العين من صلاة وصيام، لَمِنَ الصنف الخاسر في الدنيا إن كان الكفار خاسرين في الآخرة.
علم الحق المنزلُ به الوحي للآخرة والدنيا، وعلوم كونية للدنيا والآخرة. هذه مستوحية والوحي جامع. نصيب العباد من الدنيا فرادى عملهم الصالح، ونصيبهم من الدنيا إلى الآخرة يضاعف ويعلو درجات إن اندرج العمل الصالح الفردي في جهاد جماعي. مجاهدة النفس في زاوية قَصِيَّة مستسلمة، هذا لا يطلب علوما كونية يتسلح بها المتبتل. يترك ذلك لمن يعوله ويكسوه، ويدافع عنه ويؤويه، فينال ثواب المجاهدين. والرجل المحوقل الصالح في نفسه معرض عن الدنيا مقبل على ربه من بُوَيْبٍ، بينما المجاهد الصالح المصلح يدخل من أبواب.