

شفعَ للعمل الخطإِ في الآخرة إخلاصُ العامل واجتهاده فأصاب هنالك أجرا واحدا، وفاته أجر الدنيا وحسنتُها كما فاته أجر الضِّعف في الآخرة لِما فرَّط ثم لم يبلغ الغاية المرجوة من فاعلية وإتقان وصيانة لحقوق العباد. لا يَتَهِمَنَّ أحد القَدَر بسوء نتائج أعماله هنا وهناك. وإن المسلمين الذين خانهم عملُهم، أو تكاسلوا وقعدوا عن جلائل الأعمال، اكتفاءً بفرائض العين من صلاة وصيام، لَمِنَ الصنف الخاسر في الدنيا إن كان الكفار خاسرين في الآخرة.

الصدَقة المزكية المطهرة هي الزكاة بشـروطها الشرعية ونِصابها. من تزكَّى بها وبالصلاة وذكر الله طَهُرَ. ومن ادَّعى زكاةً وَتبجَّحَ بأنانية شحيحة فآية ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾2 ترده إلى مرتَع الدِّيَكَةِ المنتفشة. «الصدقة برهان» كما جاء في الحديث. وكل من ادعى خيرا من المتمولين مع شاهد شحه وغائب عطائه فإنما هو كذاب. وشرط الدخول في الأخوة الدينية والمواطنة الإيمانية هو: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾3.

إلى المسجد كان يفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حدث حادث، وفيه كان يجمع المسلمين، وفيه كان يبرم أمر الجماعة ومنه كان يخرج المجاهدون في وجههم للجهاد، وفيه كان يلقي الوفود، وفيه كان يعلم أصحابه، وفيه كان يجلس لحاجة المسلمين، وفيه كان يتم أمر الأمة الأعظم وهو المبايعة للإمام.

لـمّا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بَدْراً في مواجهة قريش ووقف جيش الإسلام أهمَّ وقفة وأبلغها أثرا في تاريخه، والنبي صلى الله عليه وسلم قائد، والخطر مُحْدقٌ، والتجربة جديدة، لم يكن الصحابة رضي الله عنهم كَمّاً صامتا وعَدداً حسابيا. إنما كانوا رجالا لهم رأيهم واجتهادهم وشخصيتهم، ولولا ذلك لما كانوا هم هم، ولما كانت بدر هي بدر. قام الحُبابُ بن المنذر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! أرأيْتَ هذا المنزلَ؟ أمنزلٌ أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه. أم هو الرأي والحرب والـمَكيدة؟
الغرب يعتبر نفسَه الجوهرَ ونحنُ الفضولَ. وحياة الغربي الذي لا يرجو لقاء الله أعز ما عنده. فهو حريص على الحياة، أي حياة. وذلك من مواطن ضعفه. علَّمته فتنام بعد حروب التحرير الوطني أن المستضعفـين يقاتلون بشجاعة. تنشر التلفزيون صور الجرحى والموتى من الشعوب الملونَة ومن أطفال الحجارة فيعتاد الجمهور الغربيُّ. لكن يصيبه الهلَع لمشهد جثة رجل أبيض. فتقوم المظاهرات في نيويورك وواشنطون أنْ احبسُوا المجزرة.