

لا تنحصر عظمة القرآن الكريم في كونه كتابًا يُتلى فحسب، ولا في كونه نصًا يُحفظ في الصدور فقط، بل في كونه عطاءً إلهيًا لصناعة الإنسان، وإعادة تشكيل العقل والسلوك والوجدان وفق مراد الله تعالى. ومن هنا يكتسب القول “ليكن كل واحد منكم مدرسة قرآنية متنقلة عبر الأجيال” عمقه التربوي والفكري والعمراني، إذ ينقلنا من دائرة الاهتمام بالفرد إلى دائرة صناعة الأثر، ومن مجرد حفظ ألفاظ القرآن إلى حمل رسالته والتحقق بها وتجسيدها في واقع الحياة.

هذا الذكر سماه الإمام رحمه الله في رسالة النصيحة: “ماء حياة القلب”. وتحسَّر على الاستهانة به، والغفلة عنه، فقال: “هذه الحياة القلبية، حياة الذاكرين الله كثيرا المتأسين برسول الله ﷺ اعتمادا حيويا بالحب المستهتر، غاب في عصرنا واغترب، وعز مطلبه على طالبي الحق”.
ومن حياة الأفراد بالذكر الكثير يسري الشفاء إلى الجماعات، فيفشو الصلاح وتَعُمُّ الاستقامة، يقول الإمام رحمه الله: “آثار ذكر الله فيك إحياء قلبك. وآثاره في مجتمع الغفلة والفتنة أن يسري شفاء ذكر الله في الجسم المريض”.

في حجته الأخيرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لخمس بقين من شهر ذي القعدة، ولما أتى بطن الوادي بعرفة، يوم التاسع من شهر ذي الحجة في السنة العشرة للهجرة، وحوله مائة ألف وأربعة وعشرون أو أربعة وأربعون ألفا من الناس[1]، وقف صلى الله عليه وسلم على هضبة تسمى جبل الرحمة، وقام فيهم خطيبا مُبينا وواعظا مذكرا وموصيا مودعا، حيث بين للناس كليات شريعة الإسلام ومكارم أخلاقه، وودَّعهم آخذا عنهم العهد في تبليغ رسالة الإسلام إلى العالمين.

عيد الأضحى هو أكبر العيدين عند المسلمين (عيد الأضحى وعيد الفطر)، ويوافق يوم العاشر من شهر ذي الحجة من كل سنة هجرية، وقد سنَّ الاحتفال به النبي إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن ثمة انتشرت فكرة الأضحية والتضحية في الأمم التالية، وأصابها ما أصاب باقي السنن من البلى والتحريف، إلى أن جدَّد هذه الشعيرة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم،
يغترف الفكر المنهاجي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله من هدي نبينا محمد ﷺ، قولا وفعلا وتقريرا، شرعة ومنهاجا، علما وعملا. ولا يخفى على الناظر في جل أعماله المسطورة ومرئياته ومسموعاته، كيف كان رحمه الله يستقي المعاني القرآنية ويستنبط معالم المنهاج النبوي، مسترشدا بالفقه النبوي والسلوك الصحابي في فهمه للواقع المعيش والأحداث التاريخية المتسارعة، ليخرج لنا من بين فرث ودم علما خالصا، في هذا الزمان المضطرب والعالم المتقلب الموار بالأحداث، ليهتدي من كان له قلب يفهم به عن الله عز وجل غاية وجوده، وعقل راشد يستخبر الوحي عما عزب عنه حتى يميز نور الحق الذي لا مرية فيه.